فصل: دار الضيافة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الخِطط المقريزية المسمى بـ «المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار» **


 دار الضيافة

خرج مالك في الموطأ‏:‏ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ كان إبراهيم عليه السلام أول من ضيف الضيف وأول من اتخذ دار ضيافة الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة سبع عشرة وأعد فيها الدقيق والسمن والعسل وغيره وجعل بين مكة والمدينة من يحمل المنقطعين من ماء إلى ماء حتى يوصلهم إلى البلد فلما استخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه أقام الضيافة لأبناء السبيل والمتعبدين في المسجد وأول من بنى دار الضيافة بمصر للناس‏:‏ عثمان بن قيس بن أبي العاص السهمي أحد من شهد فتح مصر من الصحابة وكان ميدان القصر الغربي الذي هو الآن الخرنشف دار الضيافة بحارة برجوان وكانت هذه الدار أولًا تعرف‏:‏ بدار الأستاذ برجوان وفيها كان يسكن حيث الموضع المعروف بحارة برجوان ثم لما قدم أمير الجيوش بدر الجمالي في أيام الخليفة المستنصر من عكا واستبد بأمر الدولة أنشأ هناك دارًا عظيمة وسكنها ولم يسكن بدار الديباج التي كانت دار الوزارة القديمة‏.‏

فلما مات أمير الجيوش بدر واستلوى سلطنة ديار مصر ابنه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش وأنشأ دار القباب التي عرفت‏:‏ بدار الوزارة الكبرى قريبًا من رحبة باب العيد أقر أخاه أبا محمد جعفرًا المنعوت‏:‏ بالمظفر ابن أمير الجيوش بدار أمير الجيوش من حارة برجوان فعرفت‏:‏ بدار المظفر وما زال بها حتى مات وقبر بها وإلى اليوم قبره بها وتسمه العامة‏:‏ جعفرًا الصادق‏.‏

ولما مات المظفر اتخذت داره المذكورة دار ضيافة برسم الرسل الواردين من الملوك واستمرت كذلك إلى أن انقرضت الدولة فأنزل بها السلطان صلاح الدين أولاد العاضد إلى أن نقلهم إلى قلعة الجبل الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب‏.‏

فلما كان في سنة تسع وسبعين وستمائة تقدم أمر الملك المنصور قلاون لوكيل بيت المال القاضي‏:‏ مجد الدين عيسى بن الخشاب ببيع دار المظفر فباع القاعة الكبرى وما هو من حقوقها وبيعت دار المظفر الصغرى وهدمها الناس وبنوا في مكانها دورًا وموضعها الآن دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي الحنفي وما بجوارها إلى الدار التي بها سكنى اليوم وهي من حقوق دار المظفر الصغرى على ما في كتبها القديمة ولما أنشأ قاضي القضاة شمس الدين المذكور داره‏:‏ في سنة سبع أو سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ظهر من تحت الأرض عند حفرالأساس حجر عظيم قيل‏:‏ إنه عتبة دار المظفر الكبرى وكان إذ الأمير جهاركس الخليلي يتولى عمارة مدرسة الملك الظاهر برقوق التي في خط بين القصرين فلما بغله خبر هذا الحجر بعث إليه وأمر بجره إلى العمارة فعمل عتبة باب المزملة التي للمدرسة وكان من وراء هذه الدار رحبة الأفيال أدركتها ساحة ثم عمر فيها‏.‏

قال ابن الطوير‏:‏ الخدمة المعروفة‏:‏ بالنيابة للقاء المرسلين وهي خدمة جليلة يقال لمتوليها النائب وينعت بعدي الملك وهو ينوب عن صاحب الباب في لقاء الرسل الوافدين على مسافة وإنزال كل واحدة في دار تصلح له ويقيم له من يقوم بخدمته وله نظير في دار الضيافة وهو يسمى اليوم بمهمندار ويرتب لهم ما يحتاجون إليه ولا يمكن أحدًا من الاجتماع بهم ويذكر صاحب الباب بهم ويبالغ في نجاز ما وصلوا فيه وهو الذي يسلم بهم أبدًا عند الخليفة والوزير وينفذ به ويستأذن عليهم ويدخل الرسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى والنائب بيده اليسرى فيحفظ ما يقولون وما يقال لهم ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه وبين يديه من الفراشين المقدم ذكرهم عدة لإعانته وإذا غاب أقام عنه نائبًا إلى أن يعود وله من الجاري خمسون دينارًا في كل شهر وفي اليوم نصف قنطار خبز وقد يهدي إليه المرسلون طرفًا فلا يتناولها إلا بإذن انتهى‏.‏

وفي هذه الدولة التركية يقال لمتولي هذه الوظيفة‏:‏ مهمندار ولا يليه عندهم إلا صاحب سيف من الأمراء العشراوات وكانت في الدولة الفاطمية على ذكره ابن الطوير‏:‏ لا يليها إلا أعيان العدول وأرباب العمائم وينعت أبدًا بعدي الملك وأصل هذه الكلمة الفارسية‏:‏ مهمان دار ‏)‏ومعناها ملتقى الضيوف‏(‏‏.‏

اصطبل الحجرية وكان بجوار دار الضيافة‏:‏ اصطبل الصبيان الحجرية المقدم ذكرهم وموضع هذا الاصطبل اليوم يعرف‏:‏ بخان الوراقة داخل باب الفتوح القديم بسوق المرحلين على يسرة من أراد الخروج من باب الفتوح القديم تجاه زيادة الجامع الحاكمي ومن حقوق هذا الاصطبل أيضًا الموضع الذي فيه الآن القيسارية المعروفة بقيسارية الست التي هي اليوم تجاه المدرسة الصيرمية والجملون الصغير وكانت بهذه الإصطبل خيول الصبيان الحجرية إحدى طوائف العساكر في زمن الخلفاء الفاطميين‏.‏

مطبخ القصر وكان بجوار القصر الغربي قبالة باب الزهومة منن القصر الكبير‏:‏ مطبخ القصر وموضعه الآن‏:‏ الصاغة تجاه المدارس الصالحية ولما كانت مطبخًا كان يخرج إليه من باب الزهومة وذكر ابن عبد الظاهر‏:‏ أنه كان يخرج من المطبخ المذكورة مدة شهر رمضان‏:‏ ألف ومائتا قدر من جميع ألوان الطعام تفرق كل يوم على أرباب الرسوم والضعفاء‏.‏

درب السلسلة‏:‏ وكان بجوار مطبخ القصر‏:‏ درب السلسلة قال ابن الطوير‏:‏ ويبيت خارج باب القصر في كل ليلة خمسون فارسًا فإذا أذن بالعشاء الآخرة داخل القاعة وصلى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم وقف على باب القصر أمير يقال له‏:‏ سنان الدولة بن الكركندي فإذا علم بفراغ الصلاة أمر بضرب النوبات من الطبل والبوق ولوائقهما من عدة وافرة بطرائق مستحسنة مدة ساعة زمانية ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة فيقول أمير المؤمنين يرد على سنان الدولة السلام فيصقع ويغرس حربة على الباب ثم يرفعها بيده فإذا رفعها أغلق الباب وسار حوالي القصر سبع دورات فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البياتين والفراشين المقدم ذكرهم وانصرف المؤذنون إلى خزانتهم هناك وترمي السلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرًا قرب الفجر فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة‏.‏

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ درب السلسلة الذي هو الآن إلى جانب السيوفيين كانت عنده سلسلة منه إلى قبالته تعلق كل يوم من الظهر حتى لا يعبر راكب تحت القصر وهذا الدرب يعرف‏:‏ بسنان الدولة بن الكركندي وهذا الدرب هو المختص بالتقفيزة وهذه التقفزية أمرها مستظرف لا من قبل الحسن بل من قبل التعجب من العقول‏.‏

ولها خمسة أوقات وهي‏:‏ ليالي العيدين وغرة السنة وغرة شهر رمضان ويوم فتح الخليج وهو‏:‏ أنه يقف راكبًا في وسط الزلاقة التي لباب الذهب قبالة الدار القطبية فيخرج إليه السلام من الخليفة ثم يخدم الرهجية ثم يصعد على كندرة باب الزهومة وقدامه دواب المظلة يمنة ويسرة والرهجية تخدم وأرباب الضوء ومستخدمو الطرق على السلسلة فإذا كان الطرف وصلوا إليه واجتمعت الرهجية كلهم وركب فرسًا وعليه ثياب حسنة وكشف عن راياته وأخذ بيده رمحًا واجتمعت الرهجية حوله ويعبر مشورًا وأولئك خلفه بالصراخ والصياح بشعار الإمام ثم يسير بذاك الجمع وخيل المظلة إلى أبواب االقصر فيقف عند كل باب تخدم الرهجية إلى أن يعودوا إلى باب الذهب ثم إلى دار الوزارة للهناء فلم يزالوا كذلك إلى ولاية ابن الكركندي فبطلت هذه السنة في الأيام الآمرين وصاحب التقفيزة‏:‏ ممن واصل آباؤه صحبة المعز لدين الله من بلاد المغرب فكانت هذه سنتهم‏.‏

الدار المأمونية وكان بجوار درب السلسلة الدار المأمونية وهي المدرسة السيوفية وكانت هذه الدار سكن المأمون ابن البطائحي وعرفت قديمًا بقوام الدولة حبوب ثم جددها المأمون محمد ابن فاتك‏.‏

المأمون البطائحي‏:‏ هو أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري اتصل بخدمة الأفضل بن أمير الجيوش في شهر شوال سنة إحدى وخمسمائة عندما تغير على تاج المعالي المختار الذي كان اصطنعه وفخم أمره وسلم غليه خزائن أمواله وكسواته وسلم ما كان بيده من الخدمة لمحمد بن فاتك فتصرف فيها وقرر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصة دون الإقطاع وهو مائة دينار في كل شهر وثلاثون دينارًا عن جاري الخزائن مضافًا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة فحسن عند الأفضل موقع خدمته فاعتمد عليه وسلم له جميع أموره وصرفه في كل أحواله‏.‏

فلما كثر عليه الشغل استعان بأخويه أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر فأطلق الأفضل لهما ما وسع به عليهما من المياومة والمشاهرة والمسانهة ونعته الأفضل بالقائد فصار يخاطب بالقائد ويكاتب به وصار عنده بمنزلة الأستادار فلما قتل الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة خمس عشرة وخمسمائة قام القائد أبو عبد الله بن فاتك لخدمة الخليفة الآمر بأحكام الله وأطلعه على أموال الأفضل وبالغ في مناصحته حتى لقد اتهم أنه هو الذي دبر في قتل الأفضل بإشارة الخليفة فخلع عليه الآمر في مستهل ذي القعدة بمجلس اللعبة من القصر وهو المجلس الذي يجلس فيه الخليفة ولم يخلع قبله على أحد فيه وحل المنطقة من وسطه وخلع على ولده وحل منطقته وخلع على إخوته واستمر تنفيذ الأمور إليه إلى أن استهل ذو الحجة ففي يوم الجمعة ثانية خلع عليه من الملابس الخاص في فرد كم مجلس اللعبة طوق ذهب مرصع وسف ذهب كذلك وسلم على الخليفة وتقدم الأمر للأمراء وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه ومشى في ركابه القواد على عادة من تقدمه وخرج بتشريف الوزارة ودخل من باب العيد راكبًا ووصل إلى داره فضاعف الرسوم وأطلق الهبات‏.‏

فلما كان يوم الاثنين خامسه اجتمع الأمراء بين يدي الخليفة وأحضر السجل في لفافة خاص مذهبة فسلمه الخليفة له من يده فقبله وسلمه لزمام القصر فأمره الخليفة بالجلوس إلى جانبه عن يمينه وقرئ السجل على باب المجلس وهو أول سجل قرئ هناك وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان ورسم للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست أن ينقل نسبة الأمراء والمحنكين من الآمري إلى المأموني وكذا الناس أجمع ولم يكن أحد ينتسب إلى الأفضل ولا لأمير الجيوش وقدمت له الدواة فعلم في مجلس الخليفة ونعت بالسيد الأجل المأمون تاج الخلافة ووجيه الملك فخر الصنائع ذخر أمير المؤمنين عز الإسلام فخر الأنام نظام الدين أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الأنام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين وكان يجلس بداره في يومي الأحد والأربعاء للراحة والنفقة في العسكر البساطية إلى الظهر ثم يرفع النفقة ويحط السماط ويجلس بعد العصر والكتاب بين يديه فينفق في الراجل إلى آخر النهار وفي يوم الجمعة يطلق للمقرئين بحضرته خمسة دنانير ولكل من هو مستمر القراءة على بابه من الضعفاء والأجراء مما هو ثابت بأسمائهم‏:‏ خمسمائة درهم ولبقية الضعفاء والمساكين‏:‏ خمسمائة درهم أخرى‏.‏

فإذا توجه يوم الجمعة إلى القرافة يكون المبلغ المذكور مستقرًا لأربابه ولم يزل إلى ليلة السب الرابع من رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة فقبض الآمر المذكور عليه وعلى إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلًا من خواصه وأهله واعتقله ثم صلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين‏.‏

قيل‏:‏ إن سبب القبض عليه ما بلغ الآمر عنه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلي يغريه بقتل أخيه ليقيمه مكانه في الخلافة وكان الذي بلغ الآمر ذلك الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة وبلغه أيضًا عنه أنه‏:‏ سير نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن ليضرب سكة عليها الإمام المختار محمد بن نزار وذكر عنه أن سم شيئًا ودفعه لقصاد الخليفة فنم عليه القصاد‏.‏

وكان مولد المأمون في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول كريمًا واسع الصدر سفاكًا للدماء كثير التحرز والتطلع إلى معرفة أحوال الناس من العامة والجند فكثر الوشاة في أيامه‏.‏

قال ابن المأمون في سنة سبع عشرة وخمسمائة‏:‏ تقدم أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وأخذ الحج على المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلًا ونهارًا وكذلك يعتمد في القربيين وأن يبيتوا على باب كل معونة ومعهم عشرة من الفعلة بالطوارئ والمساحي وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما بحكم فقرهم انتهى‏.‏

وكان حبس المعونة هذا يسجن فيه أرباب الجرائم كما هو اليوم السجن المعروف‏:‏ بخزانة شمال وأما الأمراء والأعيان فيسجنون‏:‏ بخزانة البنود كما تقدم ولم يزل هذا الموضع سجنًا مدة الدولة الفاطمية ومدة دولة بني أيوب إلى أن عمره‏:‏ الملك المنصور قلاون قيسارية أسكن فيها العنبرانيين في سنة ثمانين وستمائة‏.‏

الحسبة ودار العيار وكان بجوار حبس المعونة‏:‏ دكة الحسبة ومكانها اليوم يعرف‏:‏ بالإبازرة ومكسر الحطب بجوار سوق القصارين والفحامين‏.‏

قال ابن الطوير‏:‏ وأما الحسبة فإن منن تسند إليه لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين لأنها خدمة دينية وله استخدام النواب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنواب الحكم وله الجلوس بجامعي القاهرة ومصر يومًا بعد يوم ويطوف نوابه على أرباب الحرف والمعايش ويأمر نوابه بالختم على قدور الهراسين ونظر لحمهم ومعرفة من جزاره وكذلك الطباخون ويتتبعون الطرقات ويمنعون من المضايقة فيها ويلزمون السقائين بتغطية الروايا بالأكسية ولهم عيار‏:‏ وهو أربعة وعشرون دلوًا كل دلو‏:‏ أربعون رطلًا وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعوراتهم وهي زرق وينذرون معلمي المكاتب بأن لا يضربوا الصبيان ضربًا مبرحًا ولا في مقتل وكذلك معلموا العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس ويقفون على من يكون سيئ المعاملة فينهونه بالردع والأدب وينظرون المكاييل والموازين وللمحتسب النظر في دار العيار ويخلع عليه ويقرأ سجله بمصر والقاهرة على المنبر ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا وكان للعيار‏:‏ مكان يعرف بدار العيار تعير فيه الموازين بأسرها وجميع الصنج وكان ينفق على هذه الدار من الديوان السلطاني فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والخشب والزجاج وغير ذلك من الآلات وأجر الصناع والمشارفين ونحوهم ويحضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعير المعمول فيها بحضوره فإن صح ذلك أمضاه وإلا أمر بإعادة عمله حتى يصح وكان بهذه الدار أمثلة يصحح بها العيار فلا تباع الصنج والموازين والأكيال إلا بهذه الدار ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدار باستدعاء المحتسب لهم ومعهم موازينهم وصنجهم ومكاييلهم فتعير في كل قليل فإن وجد فيها الناقص استهلك وأخذ من صاحبه لهذه الدار وألزم بشراء نظيره مما هو محرر بهذه الدار والقيام بثمنه ثم سومح الناس وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساط فقط والقيام بأجرته فقط وما زالت هذه الدار باقية جميع الدولة الفاطمية‏.‏

فلما استولى صلاح الدين على السلطنة أقر هذه الدار وجعلها وقفًا على سور القاهرة مع كان جاريًا في أوقاف السور من الرباع والنواحي الجارية في ديوان الأسوار وما زالت هذه الدار باقية‏.‏

اصطبل الجميزة‏:‏ وكان بجوار القصر الغربي من قبليه اصطبل الجميزة من جانب باب الساباط الذي هو الآن‏:‏ باب سر المارستان المنصوري وقيل له‏:‏ اصطبل الجميزة من أجل أنه كان في وسطه شجرة جميز كبيرة وكان موضع هذا الاصطبل تجاه من يخرج من باب الساباط فينزل من الحدرة التي هي الآن تجاه باب سر المارستان المتوصل منها إلى حارة زويلة ويمتد فيها حاذاه يسارك إذا وقفت بأول هذه الحدرة حيث الطاحون الكبيرة التي هي الآن في أوقاف المارستان وما وراءها ويحاذيها إلى الموضع المعروف اليوم‏:‏ بالبندقانيين وكانت بئره تعرف‏:‏ ببئر زويلة وعليها ساقية تنقل الماء لشرب الخيول وموضع هذا البئر اليوم‏:‏ قيسارية تعرف بقيسارية يونس تجاه درب الأنجب وقد شاهدت هذه البئر لما أنشأ الأمير يونس الدوا دار هذه القيسارية والربع علوها فرأيت بئرًا كبيرة جدًا وقد عقد على فوهتها عقد ركب فوقه بعض القيسارية وترك منها شيء ومنها الآن الناس تسقي بالدلاء وما زال هذا الاصطبل باقيًا إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية فحكر وبنى في مكانه الآدار التي هي موجودة الآن وحكره جار في أوقاف الصلاح الأزبكي وقد تقدم ذكر هذا الاصطبل عند ذكر اصطبل الطارمة فانظر رسومه هناك‏.‏

دار الديباج‏:‏ وكان بجوار اصطبل الطارمة من غربيه‏:‏ دار الديباج وهي حيث المدرسة الصاحبية بسويقة الصاحب وما جاورها من جانبها وما خلفها إلى الوزيرية وكانت هي‏:‏ دار الوزارة القديمة وأول من أنشأها‏:‏ الوزير يعقوب بن يونس بن كاس وزير العزيز بالله ثم سكنها الوزير الناصر للدين قاضي القضاة وداعي الدعاة علم المجد أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الحرمن البازوري وما زالت سكن الوزراء إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا ووزره المستنصر وصار وزيرًا مستبدًا فأنشأ داره‏:‏ بحارة برجوان وسكنها وسكن من بعده ابنه الأفضل ابن أمير الجيوش بدار القباب التي عرفت‏:‏ بدار الوزارة الكبرى وصارت هذه الدار تعرف‏:‏ بدار الديباج لأنه يعمل فيها الحرير الديباج ويتولاها الأماثل والأعيان‏.‏

فمن وليها أبو سعيد بن قرقة الطبيب متولي خزائن السلاح وخزائن السروج والصناعات فلما انقرضت الدولة الفاطمية بنى الناس في مكان دار الديباج المدرسة السيفية وما وراءها من المواضع التي تعرف أماكنها اليوم‏:‏ بدرب الحريري وما جاور هذا الدرب إلى المدرسة الصاحبية وما بجوارها وما هو في ظهرها فصار يعرف خط دار الديباج في زمننا بخط سويقة الصاحب‏.‏

الأهراء السلطانية‏:‏ وكانت أهراء الغلال السلطانية في دولة الخلفاء الفاطميين حيث المواضع التي فيها الآن خزانة شمائل وما وراءها إلى قرب الحارة الوزيرية‏.‏

قال ابن الطوير‏:‏ وأما الأهراء فإنها كانت في عدة أماكن بالقاهرة وهي اليوم‏:‏ اصطبلات ومناخات وكانت تحتوي على ثلثمائة ألف أردب من الغلات وأكثر من ذلك‏.‏

وكان فيها مخازن يسمى أحدها‏:‏ بغداي وآخر‏:‏ الفول وآخر‏:‏ القرافة ولها الحماة من الأمراء والمشارفين من العدول والمراكب واصلة إليها بأصناف الغلات إلى ساحل مصر وساحل المقس والحمالون يحملون ذلك إليها بالرسائل على يد رؤساء المراكب وأمنائها من كل ناحية سلطانية وأكثر ذلك من الوجه القبلي ومنها إطلاق الأقوات لأرباب الرتب والخدم وأرباب الصدقات وأرباب الجوامع والمساجد وجرايات العبيد السودان بتعريفات وما ينفق في الطواحين برسم خاص الخليفة وهي طواحين مدارها سفل وطواحينها علو حتى لا تقارب زبل الدواب ويحمل دقيقها للخاص وما يختص بالجهات في خرائط من شقق حلبية‏.‏

ومن الأهراء تخرج جرايات رجال الأسطول وفيها ما هو قديم يقطع بالمساحي ويخلط في بعض الجرايات بالجديد بجرايات المذكورين وجرايات السودان ومنها ما يستدعي بدار الضيافة لإخبار الرسل وما يعمل من القمح برسم الكعك لزاد الأسطول فلا يفتر مستخدموها من دخل وخرج ولهم جامكية مميزة وجرايات برسم أقواتهم وشعير لدوابهم وما يقبض من الواصلين بالغلال إلا ما يماثل العيون المختومة معهم وإلا ذري وطلب العجز بالنسبة‏.‏

وذكر ابن المأمون‏:‏ أن غلات الوجه القبلي كانت تحمل إلى الأهراء وأما الأعمال البحرية والبحيرة والجزيرتان والغربية والكفور والأعمال الشرقية فيحمل منها اليسير ويحمل باقيها إلى الإسكندرية ودمياط وتنيس ليسير إلى ثغر عسقلان وثغر صور وإنه كان يسير إليهما في كل سنة مائة وعشرون ألف أردب منها العسقلان خمسون ألفًا ولصور‏:‏ سبعون ألفًا فيصير هناك ذخيرة ويباع منها عند الغنى عنها‏.‏

قال‏:‏ وكان متحصل الديوان في كل سنة ألف ألف أردب‏.‏

وذكر جامع السيرة البازورية‏:‏ أن المتجر كان يقام به للديوان من الغلة وأن الوزير أبا محمد البازوري قال للخليفة المستنصر‏:‏ وهو يومئذ يتقلد وظيفة قاضي القضاة وقد قصر النيل في سنة أربع وأربعين وأربعمائة ولم يكن بالمخازن السلطانية غلال فاشتدت المسغبة بأمير المؤمنين‏:‏ إن المتجر الذي يقام بالغلة فيه أو في مضرة على المسلمين وربما أقحط السعر من مشتراها ولا يمكن بيعها فتتغير في المخازن وتتلف وإنه يقام متجر لا كلفة فيه على الناس ويفيد أضعاف فائدة الغلة ولا يخشى عليه من تغير في المخازن ولا انحطاط سعر وهو الصابون والخشب والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك فأمضى الخليفة ما رآه واستمر ذلك ودام الرخاء على الناس وتوسعوا‏.‏